محمد بن جرير الطبري
440
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الناس ، فاستعمل ذلك في الذي يموت على ذلك الوجه . ثم قال تعالى ذكره لليهود والنصارى : إن لمن نحلتموه بضلالكم وكفركم الذي أنتم عليه من أنبيائي ورسلي ما كسبت . والهاء والأَلف في قوله : لَها عائدة إن شئت على " تلك " ، وإن شئت على " الأَمة " . ويعني بقوله : لَها ما كَسَبَتْ أي ما عملت من خير ، ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم . ولا تؤاخذون أنتم أيها الناحلون ما نحلتموهم من الملل ، فسألوا عما كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم يعملون فيكسبون من خير وشر ؛ لأَن لكل نفس ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت . فدعوا انتحالهم وانتحال مللهم ، فإن الدعاوى غير مغنيتكم عند الله ، وإنما يغني عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم إن كنتم عملتموها وقدمتموها . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا يعني تعالى ذكره بقوله : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين : كونوا هودا تهتدوا ، وقالت النصارى لهم : كونوا نصارى تهتدوا . تعني بقولها تهتدوا : أي تصيبوا طريق الحق . كما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة جميعا ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال عبد الله بن صوريا الأَعور ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تهتد وقالت النصارى مثل ذلك . فأنزل الله عز وجل فيهم : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . احتج الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها ، وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد قل للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأَصحابك : كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ، بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي تجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به ، فإن دينه كان الحنيفية المسلمة ، وندع سائر الملل التي نختلف فيها فينكرها بعضنا ويقر بها بعضنا ، فإن ذلك على اختلافه لا سبيل لنا على الاجتماع عليه كما لنا السبيل إلا الاجتماع على ملة إبراهيم . وفي نصب قوله : بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أوجه ثلاثة : أحدها أن يوجه معنى قوله : وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى إلى معنى : وقالوا اتبعوا اليهودية والنصرانية ، لأَنهم إذ قالوا : كونوا هودا أو نصارى إلى اليهودية والنصرانية دعوهم ، ثم يعطف على ذلك المعنى بالملة ، فيكون معنى الكلام حينئذ : قل يا محمد لا نتبع اليهودية والنصرانية ، ولا نتخذها ملة ، بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا ، ثم يحذف " نتبع " الثانية ، ويعطف بالملة على إعراب اليهودية والنصرانية . والآخر أن يكون نصبه بفعل مضمر بمعنى نتبع . والثالث أن يكون أريد : بل نكون أصحاب ملة إبراهيم ، أو أهل ملة إبراهيم ؛ ثم حذف " الأَهل " و " الأَصحاب " ، وأقيمت " الملة " مقامهم ، إذ كانت مؤدية عن معنى الكلام ، كما قال الشاعر : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يعني صوت عناق ، فتكون الملة حينئذ منصوبة عطفا في الإِعراب على اليهود والنصارى . وقد يجوز أن يكون منصوبا على وجه الإِغراء ، باتباع ملة إبراهيم . وقرأ بعض القراء ذلك ملة رفعا ، فتأويله على قراءة من قرأ رفعا : بل الهدى ملة إبراهيم . القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . الملة : الدين . وأما الحنيف : فإنه المستقيم من كل شيء . وقد قيل : إن الرجل الذي تقبل إحدى قدميه على الأَخرى إنما قيل له أحنف نظرا له إلى السلامة ، كما قيل للمهلكة من البلاد : المفازة ، بمعنى الفوز بالنجاة منها والسلامة ؛ وكما قيل للديغ : السليم ، تفاؤلا له بالسلامة من الهلاك ، وما أشبه ذلك . فمعنى الكلام إذا : قل يا محمد بل نتبع ملة إبراهيم مستقيما . فيكون الحنيف حينئذ حالا من إبراهيم . وأما أهل التأويل فإنهم اختلفوا في تأويل ذلك الحنيف ، فقال بعضهم : الحنيف : الحاج . وقيل : إنما سمي